نحن في زمن الظهور .. و لا ندري
Table of Contents:
و لعل هذه الحاجة النفسية للتعويض عن مشاعر التظلم والقهر والحرمان هي من أنتجت فكرة “المنتظر” أو ذلك الكائن الخارق الذي سيحقق العدالة المفقودة ويحل السلام بين البشر حتى يصل الأمر أن ينام الذئب مع الخراف... حلم أسطوري طوباوي رائع وخلاب يتمناه الغالبية العظمى من البشر خاصة ممن يشعرون بالقهر واللاعدالة... مع سابق علمنا أن مفهوم العدل هو نسبي ولكنه في مخيلة البشر يتحول الى عدل مطلق!! أي : حق مطلق ضد باطل مطلق... فلا وجود للتدرجات الطيفية في العقل البشري بين ثنائية المطلق: الحق والباطل...
ولذلك نجد فكرة “المنتظر “ فكرة تكاد لا يخلو منها أجتماع بشري أو عقيدة دينية... فجذور الأنتظار تضرب في أعماق التاريخ والمعتقد الديني... ولدينا من الأمثلة لفكرة “المنتظر “ ما يعزز هذه الحاجة النفس -أجتماعية : في العقيدة الزرادشتية كمثال نجد أن زرادشت سيعود في آخر الدهر ليملأ الأرض عدلا بعد أن أمتلأت جورا وظلما!! اليهود ينتظرون “ الماشيح المخلص”... النصارى ينتظرون عودة الرب “ يسوع” الى عالمنا مرة أخرى!! المسلمون السنة يؤمنون بظهورالمهدي المنتظر الذي لم يولد بعد في آخر الدهر... فيما يؤمن المسلمون الشيعة بفكرة ظهور الامام المهدي المنتظر محمد بن الحسن...الأمام الثاني عشر الذي غاب غيبته الكبرى ولابد من ظهوره يوما وبصحبة المسيح” عيسى بن مريم” ليقيم دولة العدالة المطلقة وينتصر للمظلومين حتى تقوم الساعة!!!
ظهر في التأريخ ما يمكن تسميتهم بالمهديين... أو المخلصين... أو المنقذين...و لعل أشهرهم مؤسس الديانة البابية (الميرزا علي محمد الشيرازي) الذي ظهر في أيران بعد أن تتلمذ على يد أحد كبار رجال الشيعة (كاظم الرشتي) وهو من وجد فيه الصفات المهدوية... والمعروف عن كاظم الرشتي انه كان من أتباع رجل الدين الشيعي المتصوف الشيخ علي الأحسائي الذي تميز بكثرة احلامه وكشوفاته ولقاءاته بالمعصومين الأربعة عشر عند الشيعة... وهو من تنبأ بقرب ظهور المهدي فتحمس للفكرة وأمن بها الكثيرون وكان في طليعتهم الرشتي حتى خرجت الى عالمنا الديانة البابية الناسخة للأسلام والتي مهدت لظهور الديانة البهائية بعد أعدام “ الباب” وتصفية أتباعه...
لا نستطيع أن نحكم على ما كان يراه الشيخ الأحسائي من احلام وكشوفات كما لا يمكننا أن نشكك بمصداقية رؤيته لتلك الرؤى... كذلك لا نستطيع أن نفعل الشيء نفسه مع المتصوف الكبير محيي الدين بن عربي الذي كان يفخر بأحلامه وجنونه أحيانا بعد أن أصبح وارثا للعلم النبوي بتوصية من النبي محمد...و بعد أن ارتقى ما سماه “منبر المقام المحمدي “ الذي نصبه له عيسى بن مريم بطلب من محمد!!... يقول أبن عربي : “... وكشف الله بصري وبصيرتي وخيالي فرأيت بعين البصر ما لايبصر الا به... ورأيت بعين الخيال ما لايدرك الا به... ورأيت بعين البصيرة ما لايدرك الا بها... فصار الأمر مشهودا والحكم المتخل بالتقليد موجودا . فعلمت قدر من أتبعت... وهو الرسول المبعوث الي محمد صلى الله عليه وسلم . وشاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم الى محمد صلى الله عليه وسلم . وأشهدني الله تعالى المؤمنين بهم كلهم حتى مابقي منهم أحد ممن كان ويكون الى يوم القيامة... خاصهم وعامهم الا شهدته...”!!
و بالرغم من عدم تشكيكنا بما تسمى الرؤى والكشوفات والأحلام التي تروى عن بعض المشايخ والمتصوفة... الا أن التمسك بها والألتجاء اليها لتفسير مظاهر ووقائع الأحداث هو من يجعل تلك الأحلام بمثابة أوهام تخدر عقول الناس وتثبط من عزمهم وتبعدهم عن مجابهة الواقع المعاش ومواجهته بطريقة عقلانية بدلا من أنتظار الفرج المهدوي القادم!! الذي يحول الحياة الى سكون وأنتظار بدلا من الحركة واتخاذ القرار ومعالجة مشاكل المجتمع بشكل واقعي وفعلي...
تعيش منطقتنا “الشرق الأوسط“ واقعا صعبا منذ زمن طويل وقد تزايدت في السنوات الأخيرة حدة الصراعات والأزمات خاصة بعد نشوب الحرب العراقية - الأيرانية الطويلة وما تلاها من أحتلال عراقي للكويت ومن ثم قدوم البساطيل الغربية الى المنطقة وخوضها حرب طرد القوات العراقية من الكويت وما أعقبها من تداعيات أدت الى حصار شرس ضرب العراق لسنين طوال ومن ثم توج بسقوط نظام البعث في ما يسمى حرب تحرير العراق التي جائت كردة فعل على كارثة الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية وما تلاها من سقوط دولة طالبان وأحتلال أفغانستان وهروب وأختباء مقاتلي القاعدة في جحور تورا بورا وأنتشار خلاياهم السرطانية على طول وعرض جسد كرتنا الأرضية وقيامهم بأعمال أرهابية كبيرة في دول عديدة .. وأعلان تنظيم القاعدة الأرهابي حربهم ضد الشيعة ومارافقها من ردود فعل شيعية وأخرى سنية فنشبت الحرب الأهلية غير المعلنة في العراق وما يمكن ان تتمخض عنه تلك الأحداث عن تقسيم للعراق وبعض دول المنطقة!! اضافة الى فشل عملية السلام بين الفلسطينيين والأسرائيليين والمعارك شبه اليومية في غزة والقطاع .. واذا اضفنا الى ذلك الملف اللبناني منذ اندلاع الحرب الأهلية مرورا بحرب 1982 وأحتلال بيروت وماتلاه من تحرير للجنوب اللبناني المحتل على يد مقاتلي “ حزب الله “ ثم أندلاع الحرب اللبنانية -الأسرائيلية التي تدور رحاها منذ مايقارب الشهر والتي من الصعب تصور أنتصار أحد طرفي النزاع على الآخر بالرغم من القوة الجبارة التي يمتلكها الجيش الأسرائيلي والتي تقابلها مقاومة شرسة لمقاتلي “ حزب الله “!! وما يمكن أن يحدث للملف النووي الأيراني ومشكلة سوريا مع قضية أغتيال الحريري .. والأحتلال الأميركي - المتعدد الجنسيات للعراق وتداعيات قيام ما يسمى الهلال الشيعي .. الذي تخشاه أنظمة عربية كالسعودية ومصر والأردن!! والذي جعلها تقف الى جانب الدولة العبرية في حربها ضد لبنان للقضاء على "حزب الله“ في سابقة خطيرة ولخبطة سياسية وفوضى عارمة تجعل الناس في حيص بيص!!
لاشك والأمور تسير بهذه الطريقة الدراماتيكية أن يلجأ العقل العربي الأسلامي الى عالمه السحري المفضل الا وهو عالم الوهم والخيال .. فبدأت تبرز في هذه الأيام الصعبة فكرة قرب ظهور “المهدي المنتظر“ الذي طال أنتظاره وأستطال الى درجة الملل الممل!! وبالتالي لابد من الظهور العاجل ..و الحتمي بعد أن أكتمل تحقق العلامات الكبرى للظهور كما تذكرها لنا كتب التراث العتيقة!!
يحكى أن شخصا في العراق يدعى الصرخي يدعي أن الأمام المهدي يلتقي به وقد خطب كريمته للزواج منها بعد الظهور القريب .. وكما نعلم أن الممهدين للدولة المهدية المنتظرة العظمى قد شكلوا جيش المهدي الذي يقوده رجل الدين الشيعي الشاب - ان صح التعبير - مقتدى الصدر وهو بمثابة النواة للجيش العرمرم الذي سيقوده الفيلد مارشال الأمام المهدي المنتظر وبمساعدة المارشال المسالم يسوع بن يهوه أيلوهيم والذي سيغزو مشارق الأرض ومغاربها على غرار ما فعله من قبل ذو القرنين أو الأسكندر المقدوني ..




